يبدي المستثمرون ثقة كبيرة بأن شركة ألفابيت، الشركة الأم ل"غوغل"، ستظل قائمة حتى عام 2126. عندما تحتاج أي شركة إلى جمع الأموال، يمكنها عادةً بيع الأسهم أو السندات، أو غيرها من الأدوات المالية. لكن هذا الأسبوع، اختارت غوغل إصدار سندات مختلفة لم يسبقها إليها إلا عدد محدود جداً من الشركات، والتي تعرف باسم "سندات القرن".
أصدرت عملاقة التكنولوجيا يوم الثلاثاء سندات شركات نادرة للغاية تستحق بعد 100 عام، وذلك ضمن حملة اقتراض بمليارات الدولارات تنفذها الشركة لتمويل طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن لماذا سندات بهذا الأجل؟... الأمر مرتبط بمشكلة "غوغل" في التدفق النقدي الحر والذي لا يكفي لتحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وفقاً لما ذكرته شبكة "CNN"، واطلعت عليه "العربية Business".
"غوغل"، وهي شركة عامة تبلغ قيمتها السوقية حوالي 4 تريليونات دولار أميركي، ولديها تدفق نقدي حر سنوي يزيد عن 73 مليار دولار، تتجه إلى أسواق الدين لجمع المزيد من الأموال. ذلك لأن حتى سيولة غوغل النقدية الحالية البالغة 126 مليار دولار تبدو ضئيلة للغاية مقارنة بما أعلنته الشركة عن نيتها مضاعفة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي هذا العام، ليصل إلى 185 مليار دولار.
سندات القرن نادرة للغاية لا تصدر الشركات عادةً سندات طويلة الأجل كهذه، لأن الشركات لا تدوم إلى الأبد. كما أن الناس لا يعيشون عادةً كل هذه المدة، أو يستمتعون بها كثيراً إن عاشوا. إذا كنت مستثمراً عادياً تشتري سنداً من غوغل لأجل قرن اليوم، فلن تكون موجوداً لترى تاريخ استحقاقه، أو حتى أياً من أبنائك... "الأمر يحتاج وصية وشفرة لهذا الكنز المستقبلي".
لكن سندات القرن تعد أكثر منطقية للمؤسسات، مثل صناديق الوقف الخاصة بالجامعات والحكومات التي يتوقع لها البقاء لأجيال.
حتى أنجح الشركات الحالية، لا يمكنها ضمان النجاح على طول الخط. أصدرت شركة "IBM" سنداتها لأجل 100 عام في عام 1996، عندما لم تكن هيمنة "IBM" على قطاع التكنولوجيا موضع شك. ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة، ظهر منافسون طموحون مثل "مايكروسوفت" و"أبل" ليقلصوا من مكانة IBM كشركة رائدة في السوق.
باعت شركة "جي سي بيني"، إحدى أبرز شركات التسعينيات، سندات بقيمة 500 مليون دولار عام 1997، لتباع هذه السندات بأبخس الأثمان بعد 23 عاماً، عندما أعلنت الشركة إفلاسها. (حاملو السندات هم دائنون، لذا فإن وضعهم أفضل قليلاً من مستثمري الأسهم في حالة الإفلاس، ولكن غالباً ما يكون هذا التحسن طفيفاً).
وكانت موتورولا آخر شركة أميركية تصدر هذا النوع من الديون، عام 1997. (للتذكير: صنعت موتورولا الهواتف المحمولة وأجهزة النداء).
غرد المستثمر مايكل بوري، صاحب فيلم "ذا بيغ شورت" الشهير، يوم الاثنين: "في بداية عام 1997، كانت موتورولا ضمن أكبر 25 شركة من حيث القيمة السوقية والإيرادات في أميركا. احتلت علامة موتورولا التجارية المرتبة الأولى في الولايات المتحدة عام 1997، متقدمةً على مايكروسوفت... أما اليوم، فتحتل موتورولا المرتبة 232 من حيث القيمة السوقية بمبيعات لا تتجاوز 11 مليار دولار".
لا تزال موتورولا قائمة، ولا تزال تسدد ديونها، ما يعني أن حاملي السندات لا يزالون يحصلون على مستحقاتهم. إلا أن توقيت إصدار سندات موتورولا، وما تلاه من تراجع مطرد، قضى فعلياً على أي رغبة متبقية في مثل هذه الديون المؤسسية طويلة الأجل. لم تكن السندات نفسها سبباً في تراجع موتورولا، لكن قرار إصدارها بدا وكأنه دليل على غطرسة الشركات.
سوق صغير نسبياً يوجد سوق لهذه السندات ذات أجل 100 عام، لكنه ليس ضخماً. فهي لا تجدي نفعاً إلا للمستثمرين المؤسسيين الكبار، مثل شركات التأمين على الحياة وصناديق التقاعد التي لديها التزامات طويلة الأجل يجب تغطيتها.
حتى الآن، على الأقل، يبدو أن السوق على استعداد تام لمنح ألفابيت بعض التسهيلات. وأعني ب"بعض التسهيلات" تسهيلات هائلة: فقد جمعت الشركة ما يقرب من 32 مليار دولار في أقل من 24 ساعة، وفقاً ل"بلومبرغ"، التي كانت أول من نشر خبر طرح السندات لأجل 100 عام.
أصدرت شركة ألفابيت سندات مقومة بالجنيه الإسترليني والفرنك السويسري يوم الثلاثاء، وذلك بعد طرح سندات بقيمة 20 مليار دولار في الولايات المتحدة في اليوم السابق. وقد شهدت هذه السندات، التي يبلغ أجل إصدارها 100 عام، إقبالاً كثيفاً فاق العرض بعشرة أضعاف تقريباً.
لذا، ورغم أن إصدار هذه السندات يعد طرحاً غير مألوف وله سوابق تاريخية مثيرة للقلق (خاصة في قطاع التكنولوجيا)، إلا أن هناك إقبالاً واضحاً عليها.
وقال كبير الاستراتيجيين في شركة "إنترأكتيف بروكرز" لي ستيف سوسنيك: "أتفهم تماماً سبب حرص السوق على إقراضهم الأموال. فالناس مستعدون لاقتناء هذه السندات، لأن معظم شركات التكنولوجيا الكبرى لا تعاني من مديونية كبيرة، ولديها قدرة ربحية عالية، وتدفقات نقدية ممتازة".
وأضاف سوسنيك أن شركة غوغل، على وجه الخصوص، تتمتع ببعض الميزات الفريدة التي تصب في مصلحتها. وأخيراً وليس آخراً: أصبحت الشركة فعلياً احتكاراً مرخصاً من الحكومة، وذلك عقب حكم قضائي صدر العام الماضي ينص على أنه على الرغم من انتهاك غوغل لقوانين مكافحة الاحتكار، إلا أنها ليست ملزمة بتغيير نموذج أعمالها جذرياً.
وقال سوسنيك: "إذا كنت ستقرض المال لشخص ما لمدة مئة عام، فإن احتكاراً مثبتاً يعد خياراً جيداً على الأرجح".
مكاسب الطرفين سندات بهذا الأجل، تحقق للشركات المصدرة هدفها في الحصول على الأموال بالحجم المطلوب بشكل عاجل، ما يرفع من هوامش ربحيتها سريعاً، إذا ما كان لدى "غوغل" الآلية التي يمكنها معها تحويل الذكاء الاصطناعي من استثمار ضخم يحرق الكثير من الأموال إلى استثمار يدر أموالاً أكثر بتطبيقات عملية ناجحة.
ومحاسبياً، فإن مدفوعات الفوائد على السندات تجنب "غوغل" فعلياً مصروفات ضريبية كبيرة مما لو جمعت الأموال عبر الأسهم. الأمر يشبه أن ترغب في تملك أصل ضخم، وبدلاً من شراءه فكل ما عليك هو استئجاره بمبلغ ثابت تسدده سنوياً.
على الجانب الأخر، المستثمرين في سندات بأجل طويل مثل هذا، يرون فرصة لتخصيص أموالهم في أداة واحدة مدتها 100 عام، يمكنهم ببساطة حساب دراساتهم الأكتوارية بشكل عملي.
فكر مثلاً في مشروعات "PPP"، شركة تقوم ببناء محطة طاقة وتشغيلها مقابل الحصول على العائد من بيع الطاقة لمدة 50 عاماً قبل أن تسلمها مجاناً للحكومة. إذا كانت قيمة النقود ستتراجع مع الوقت فإن هذا النوع من الأصول ستنخفض قيمته تشغيلياً لكنه يظل رابحاً بالمعايير المحاسبية لقيمة "التخريد".
فحتى لو انتهت قيمة السندات المطروحة إلى رقم أقرب إلى الصفر فإنها تظل استثماراً يدر عوائد مستقرة طويلة الأجل.







